محمد بن عمر التونسي
35
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
فمن لطف اللّه عزّ وجلّ [ أن ] مرض خبير القافلة بصداع أحرمه « 1 » الهجوع ، وعجز عن شفائه الجموع ؛ وبلغ والدي هذا الخبر ، فكتب رقعة وأخذها الخبير باعتقاد ، ووضعها على محلّ الألم ، فبرئ لوقته ، فاعتقد في والدي الصلاح ، وأمر أن يحمل ، ويحمل له عدل صمغ على إبله . فوصل والدي إلى القاهرة بعد غصّ الريق ، وباع عدل الصمغ بخمسة وسبعين فندقلى « 2 » ؛ ودخل الجامع الأزهر لطلب العلم ؛ وتزوج والدتي إذ ذاك ، ومكث معها نحو سنتين ، جاءت منه بولد سمّاه أحمد ، عاش سنة وثلاثة أشهر ، ثم مات ، فحزن عليه وتمثّل بقول الشاعر ، مفرد من الطويل : لقد خانت الأيام فيك فقرّبت * يوم الرّدى من ليلة الميلاد « 3 » وبقول الآخر ، من الكامل : عجبا لمولود قضى من قبل أن * يقضى لأيام الصّها ميقاتا ( 35 ) فكأنه من نسكه وصلاحه * وهب الحياة لوالديه وماتا وبقول التّهامى في [ رثاء ] ولده ، من الكامل : يا كوكبا ما كان أقصر عمره * وكذا تكون « 4 » كواكب الأسحار ثم إن والدي توجّه إلى تونس ، وأخذ أمي وأمّها معه ، وكنت إذ ذاك حملا .
--> ( 1 ) كذا بالهمز ، وقد دأب المؤلف على استعمال هذه الصيغة في غير موضع من الكتاب . ( 2 ) الفندقلى المستعمل هنا قطعة ذهبية من العملة كانت تتراوح قيمتها بين ثلاثة قروش وأربعة . راجع ما جاء في هامش صفحة 18 من الترجمة الفرنسية التي طبعت عام 1850 . ( 3 ) هذا الشطر من الرجز لا من الطويل . ( 4 ) في رواية : وكذاك عمر .